ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

219

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

سماءكم انشقت » فإن الحلّة انشقت ، وأما قولها : « إن وعاءيكم نضبا » فإن النّحيين نقصا ، ثم قال للعبد : أصدقني ، فقال له : إني نزلت بماء من مياه العرب ، وفعلت كذا وكذا . فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير . وكذلك يروى عن شن بن أقصى ، وكان ألزم نفسه ألّا يتزوّج إلا امرأة تلائمه ، فصاحبه رجل في بعض أسفاره ، فلما أخذ منهما السير قال له شن : أتحملني أم أحملك ؟ فقال له الرجل : يا جاهل ؛ هل يحمل الراكب راكبا ؟ فأمسك عنه ، وسارا حتى أتيا على زرع ، فقال شن : أترى هذا الزرع قد أكل ؟ فقال له : يا جاهل ؛ أما تراه في سنبله ، فأمسك عنه ، ثم سارا ، فاستقبلتهما جنازة ، فقال شن : أترى صاحبها حيّا ؟ فقال له الرجل : ما رأيت أجهل منك ! أتراهم حملوا إلى القبر حيّا ؟ ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل ، فسار به إلى بيته ، وكانت له بنت ، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه ، فقالت : ما نطق إلا بالصواب ، ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله ، أما قوله : « أتحملني أم أحملك » فإنه أراد أتحدّثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث ، وأما قوله : « أترى هذا الزرع قد أكل » فإنه أراد هل استسلف ربه ثمنه أم لا ، وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلّف له عقبا يحيا بذكره أم لا ، فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدّثه بتأويلها ، فخطبها ، فزوّجه إياها . وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز ، وهو أولهم الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة ، ولذلك قصة ظريفة ، وليس هذا موضع ذكرها ، وكان قبل ملكه إياها في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب ، وكان إذ ذاك يلقب بسديد الملك ، فنبا به مكانه ، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى مدينة ترابلس في زمن بني عمار أصحاب البلد ، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه ، فخافه ولم يعد ، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودّة أكيدة ، وأجلسه بين يديه ، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثّقه من جهة ابن صالح ليعود ، فما وسعه إلا أن يكتب وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره ، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب